الشيخ محمد رشيد رضا
341
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فالتلو ( بالكسر ) ولد الناقة والشاة إذا فطم وصار يتبعها ، وكل ما يتبع غيره في شيء يقال هو تلوه . ويقال : ما زلت أتلوه حتى أتليته . أي غلبته فسبقته وجعلته تلوي . وتلا فلان . اشترى تلوا . أي بغلا صغيرا أو جحشا . والتلاوة ( بالضم ) والتلية ( بالفتح ) بقية الشيء لأنه يتلو ما قبله . يقال ذهبت تلية الشباب . والتلاوة بالكسر القراءة ، ولم تكد تستعمل الا في قراءة كلام اللّه تعالى . وذكر في لسان العرب تلاوة القرآن ، وقال أن بعضهم عمّ به كل كلام . ولعل قراءة القرآن سميت تلاوة لأنه مثاني كلما قرئ منه شيء يتبع بقراءة غيره أو بإعادته ، أو لأن شأنه ان يقرأ ليتبع بالاهتداء والعمل به . وعبر القرآن بالتلاوة عن قراءة كتاب اللّه وآياته للأنبياء السابقين لهذا المعنى أيضا . وفسروا قوله تعالى « يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ » بيتبعونه حق اتباعه . والنبأ الخبر الصحيح الذي له شأن من الفائدة والجدارة بالاهتمام . ومعنى الجملة وأتل أيها الرسول على أهل الكتاب وسائر الناس ذلك النبأ العظيم - نبأ ابني آدم - تلاوة متلبسة بالحق مظهرة له ، بأن تذكره كما وقع ، مبينا ما فيه من الحكمة والكشف عن غريزة البشر . وهو ما جبلوا عليه من التباين والاختلاف الذي يفضي إلى التحاسد والبغي والقتل ، ليعلموا حكمة اللّه فيما شرعه في الدنيا من عقاب الباغين من الافراد والجماعات والشعوب والقبائل ، وكون هذا البغي من اليهود على رسول اللّه والمؤمنين ليس من أمر دينهم ، وإنما هو من حسدهم وبغيهم ، فهم في هذا كابني آدم إذا حسد شرهما خيرهما فبغى عليه فقتله ، وكانت عاقبة ذلك ما بينته هذه الآيات . والجمهور على أن هذين الابنين هما ابنا آدم من صلبه ، وعن الحسن انهما من بني إسرائيل . وفي سفر التكوين أنهما أول أولاد آدم ، اسم أحدهما قاين أو قايبن وهو البكر ، ويقول علماء التفسير والتاريخ منا قابيل . وهو القاتل . واسم الثاني هابيل بالاتفاق . وقد ذكروا في ذلك روايات غريبة لا يمكن ان يعرف مثلها الا بوحي من اللّه ، وهي لم ترو عن أحد من رسل اللّه . ومنها ان آدم رثى هابيل بشعر عربي . فنعرض عن هذه الروايات التي لا تصح ولا تفيد . ووصف ما قصه اللّه تعالى بالحق يشعر بأن ما يلوكه الناس في ذلك مما سواه باطل . إِذْ قَرَّبا قُرْباناً أي أتل